داعب أسماعي نفير القطار القادم أخيرا .. التفت اليه .. التقطت حقيبتي و تأهبت .. اقترب القطار .. أبطأ قليلا .. انتظرت وقوفه .. و انتظرت .. ثم .. لم يقف القطار .. مستحيل .. هذا مستحيل .. ازدادت سرعته فجأة .. انطلق .. وقفت مذهولا لثوان .. ركضت .. حاولت اللحاق به و التشبث بالقائم الحديدي أثناء ركضي .. فشلت .. بدأ يسبقني .. خرج عن المحطة .. وصلت نهاية الرصيف .. لاحظت أنه أبطأ قليلا و هو يبتعد .. قفزت الي القضبان مواصلا الركض .. حاولت و حاولت .. رأيته يغيب .. مستحيل .. ماذا أفعل الآن .. فات الميعاد .. ما العمل ؟؟ .. استيقظت لاهثا .. التقطت أنفاسي .. تلفت حولي .. لم يفت الوقت إذن.. لملمت نفسي المرتبكة و قمت .. عندما فتحت العلبة لألتقط كيس الشاي لم أجد شيئا .. أف .. كالعادة .. جلست علي المقعد الخشبي في المطبخ و دفنت رأسي بين كفاي أقاوم النعاس .. و أتنفس بعمق .. وقت طويل مضي .. أو لم يمض أبدا ربما .. كنت ذاهبا مع زملاء الدراسة والأصدقاء في رحلة الي حديقة مدينتنا الصغيرة .. كانت الحديقة بالنسبة لنا مترعا مهولا.. وكانت الرحلة التي اخترقنا فيها شوارع المدينة القليلة بعيدا عن أسوار المدرسة مغامرة شيقة .. ما أن دخلنا الحديقة نركض متزاحمين حتي اصطدم بي صديق .. سقطت أرضا .. كانت البقعة التي وقعت بها موحلة .. اتسخت ملابسي و خدشت يداي و تلوثت حقيبتي..تألمت .. تأوهت .. ثم انسحبت..أكمل بعض الأولاد طريقهم .. جرجرت نفسي الي أحد المقاعد الخشبية .. ساعدني الأصدقاء الطيبين .. مسحوا ملابسي و جففوا يداي و حقيبتي .. اعتذر الصديق الذي صدمني و طيب خاطري .. قلت لا بأس .. كنت في قمة السخط لكني لم أبين .. كنت حزينا,محبطا،كارها ولم أبين .. قاموا ليلحقوا بالمجموعة و طلبوا مني .. اعتذرت .. سألتهم أن يمهلوني حتي ألملم نفسي و تهدأ آلامي .. ألحوا .. تمسكت بموضعي ..تكومت في المقعد .. راقبتهم يبتعدون .. يلعبون .. يمرحون .. عاد الصديق بعد فترة .. كرر اعتذاره .. سألني أن أنضم لهم .. تشبثت بالمقعد .. أخبرته أني لا أريد .. اطمـئن علي جراحي .. قلت أنها بسيطة لكني لا أريد أن ألعب .. انسحب..تابعت لعبهم .. راقبتهم و هم يركبون هذه العجلة الضخمة التي تدور بهم صعودا و هبوطا ..عاد صديقي وسألني أن أشترك مجددا.. رفضت .. عاد اليهم..تابعت العجلة و هي تدور بهم تصعد و هم يصيحون و يضحكون .. أخذت أتخيل المنظر من عل و ما يشعرون به هناك..أردت أن أكون هناك..أردت أن أفهم ،وأري ،وأشعر .. لكن شيئا ما كان يشدني الي المقعد بقوة .. حاولت المقاومة .. لم أتحرك .. رحلت في نهاية اليوم الذي قضيته كله علي المقعد الخشبي في هذه الحديقة .. انتظرت هناك أكثر مما ينبغي .. ربما لسنوات طويلة .. و الوقت يفوت .. من شهور قابلت فتاة ضائعة في طريقها للقاهرة .. كانت تزورها لأول مرة .. لوحت لي بطلب المساعدة .. هل رأتني وحيدا فاستهدفتني أم هي محض الصدفة التي أتت بها في المقعد خلفي ؟؟ .. أرشدتها في البداية شفويا .. ثم اقترحت أن ننجز مشاويرنا معا ما دامت المواعيد لن تتعارض .. قالت أنها لا تريد تعطيلي و قلت أنه لا تعطيل .. أبدت ممانعة .. لم تقاوم كثيرا .. كانت تحتاجني لحمايتها حتي لا تضيع في الطرق أو أنها احتاجت فقط الي أنيس ؟؟ .. تطور الموقف حتي عودتنا معا .. تشاركنا الطعام و الحديث و الضحك .. نامت قليلا .. اختلست النظر اليها في نومتها..لاحظت المرات التي انتحت بهاتفها و خفضت صوتها هامسة تلوم شخصا ما علي عدم اتصاله بها .. هل أرادتني ان أسمع أنها تلوم أحدهم علي عدم اتصاله بها أم أرادتني أن لا أسمع أنها تحدث أحدهم في أمر شخصي ؟؟ .. نزلنا من الحافلة .. تشاركنا " التاكسي " .. كان طريقها بالمصادفة طريقي .. نزلنا في مكان متوسط بين منطقتينا .. شكرتني بحرارة .. اعتذرت عن الارهاق الذي سببته لها بمشاويري .. اعتذرت هي عن تعطيلي .. افترقنا دون تبادل وسيلة اتصال ودون أن أعرف مكان بيتها علي وجه الدقة .. لم أرها بعدها أبدا .. تمضي الأمور بشكل عادي .. أو نحن من يدفعها لتمضي بشكل عادي ؟؟ .. يحدث ما تريده من تلقاء نفسه أم أنك توجد ما تريده وتختاره ؟؟ .. ما قيمة حساباتك ؟ .. هل يجب أن تحسب ؟؟ .. أن تحاول ألا تتفاجأ ؟ .. ينفد الشاي بسرعة في بيتنا..ما يضطر أفراد االبيت لشراء كمية جديدة بالطبع .. لكنهم يظلون طويلا يتكاسلون و يعتمدون علي بعضهم البعض .. لأنهم لا يهتمون بالشاي مثلي .. أصبحت أخبئ كمية معقولة من الشاي في مكان لا يعرفه غيري ..أستعملها فقط في هذا الوقت الذي يتكاسل الجميع فيه عن الشراء .. لا يسمح مخزوني الخاص بمفاجأة سخيفة في صباح يوم هام لا أجد فيه الشاي .. تركت المقعد أخيرا .. توجهت الي مكان المخزون السري .. التقطت كيس شاي .. لكن .. ماذا لو اكتشف أحدهم مكانه يوما ؟؟ .. وهل هو أمر طيب أن لا أتفاجأ دائما صحيح؟.. أدعي أني أكره أن أترك الظروف تضايقني لكن..كم من الظروف التي ضايقتني تحكمت بحياتي فعلا .. وما المسافة التي ابتعدتها يا تري عن هذا المقعد الخشبي في حديقتنا القديمة .. أم تراني لا زلت هناك متشبثا بعد ؟؟
Tuesday, May 29, 2012
Monday, April 9, 2012
!! الإبصار
هل تعرف مدي العناء الذي يلاقيه ضعاف النظر بدون نظاراتهم ؟ ..لن تعرف إلا لو جربت ..لو كنت ضعيف النظروتعرضت نظارتك للكسر..واضطررت للتعامل مع العالم يوما بدونها ..كيف تعرف لو كنت صحيح النظر، أو لو كنت تتوهم أنك كذلك ؟؟..أخبرني صديق يوماعن بداية استعماله للنظارة .. قال أنه قضي وقتا طويلا قبلها دون أن يدرك شيئا عن ضعف نظره..عندما كان يري الكلمات مشوهة أو مهتزة علي السبورة كان يعتقد أن ذلك بسبب بعدها أولسوء خط المدرس .. إلي أن اكتشف الأمر أيام الجامعة .. سأل أحد زملاؤه عن جملة بعيدة لا يتبينها فقال له أنها واضحة تماما .. سأله ما اذا كانت بعيدة أو غير واضحة فقال الزميل لا .. أخبره أن الكلمات واضحة تماما وأنه يتعين عليه مراجعة طبيب عيون.. في ذلك اليوم الذي كنت أتحمل سخافة العالم فيه منتظرا اصلاح النظارة طلبت من صديق ورقة للكتابة..أعطاني عدة ورقات مستطيلة سميكة متساوية الحجم .. تطلعت لها باهتمام .. ابتسم و أخبرني أنها أوراق مميزة جدا لن أجدها مع غيره ..سألت فقال أنها تخص أخته التي تكتب بطريقة برايل..سألته باهتمام عن الأمر..وصف لي ماكينة بيركنز الخاصة بالمكفوفين وكيفية ترميز الحروف بها..كيف يتم حفظ الرمز ثم تحسسه علي الآلة قبل طبعه علي الأوراق ليمكن قرائته بعدها .. كلمني عن المعاناة التي كانوا يعانوها عندما كانوا ملحقين بصفوف الطلبة المبصرين ويدرسون نفس مناهجهم ثم كيف تم تعديل المناهج واستبعاد الخرائط والهندسة وكل ما يعتمد علي النظر منها..وأنه رغم وجود كتب دراسية مكتوبة بطريقة برايل فان علي المكفوف لو احتاج كتابا مساعداغير مكتوب بها أن يستمع لمن يلقي عليه الكلمات ليخطهاعبرالآلة علي أوراقه الخاصة كي يمكنه قرائتها بعدها..طول الوقت كنت أشعر بألم ما بداخلي ..كنت منزعجا وأنا أتأمله يسترسل وأتخيل شخصا ما لا يمكنه أن يري شيئا إلا في خياله..فكرت أنها ربما لم تر شيئا مطلقا ..سألته فأخبرني بالفعل أنها ولدت مكفوفة وأن الأسرة سألت أكفأ الأطباء - من مصر وخارجها - في محاولة لانقاذها لكنهم قالوا أن تمزق الشبكية لديها لن يجديه أي نوع من العمليات .. تصاعد الألم بداخلي أكثر ..سألته عما تدرسه وعن هواياتها .. قال أنها متفوقة جدا بالنسبة لأقرانها لكنه محتار في الكلية التي يمكن أن تدخلها..أخبرني أنه علمها التعامل مع أجهزة الكومبيوتر بطريقة رائعة تجعلها تفوق حتي من هم في سنها من المبصرين..سألته إذا ما كانت تعزف أو تحب أن تتعلم العزف علي شئ ما.. قلت له أنه قد يساعدها نفسيا و معنويا قال لي أنها لم تجرب لكن لا يجب أن أقلق بشأن معنوياتها لأنها ممتازة وتفوقها ورعاية أسرتها ومهارتها في التعامل مع الكومبيوتر أمور كفيلة بذلك ..
..
لم يمكنني مغالبة الحزن بداخلي حتي بعدما افترقنا.. حتي عندما حل الليل وأويت الي فراشي .. تذكرت قصة سمعتها في فيلم دخان .. عن صاحب محل السجائر الذي ضبط فتي يسرق بعض مجلات الإثارة من داخل محله فاندفع راكضا خلفه.. أفلت الفتي وترك محفظته التي سقطت في هرولته .. فتحها ليجد صورة لولد صغير مع أمه .. وجد عنوانه في بطاقة بالمحفظة .. فقرر الذهاب الي هذه المنطقة الشعبية البعيدة عن قلب المدينة الصاخب .. طرق الباب .. سمع صوتا أنثويا ينادي باسم الفتي .. كانت نبرته ودودة مشتاقة "انت جيت يا حبيبي" ..انفتح الباب واندفعت منه سيدة عجوزضمته الي صدرها دون أن يتدارك الأمر:"حمد الله علي سلامتك" .. أدرك الرجل أن العجوز مكفوفة البصر بينما أدركت من رائحته و جسه أنه ليس حفيدها غير أنها واصلت احتضانها و جذبته مرحبة الي داخل المنزل..لم يجد الرجل فرصة ليفكر..انخرط في التمثيلية ودخل معها .. جلس معها يتأمل البيت المتواضع .. طلبت منه أن يطلب لهما الدجاج الذي يحبانه ..قرر متابعة اللعبة.. طلب الدجاج .. وتناول الطعام مع العجوز السعيدة كأنه حفيدها الذي تعتاد منه ذلك بالفعل .. كانت بادية السرور وهي تسمعه وهي تأكل وتشرب معه .. نامت علي الأريكة بعد الوجبة و قام الرجل .. أخرج محفظة الفتي من جيبه وتركها علي المنضدة .. لفت انتباهه كاميرا التصوير الموضوعة هناك..تردد لحظات ثم حسم أمره والتقطها وخرج .. التقط الرجل بالكاميرا مئات الصور.. كلها من أمام متجره في الزاوية للزاوية المقابلة في التقاطع في السابعة صباحا .. مئات الصور لمئات الناس في أوضاع مختلفة .. أخبر الرجل صديقه عن مشروع حياته وهما يدخنان سويا ..قال صديقه أنه نفس المكان ونفس الوقت وأن ناسا كثيرين يتكررون لأنهم بالقطع من رواد المكان الدائمين .. قال الرجل أنه لا تكرار.. المكان هو لكن الصور مختلفة تماما.. حتي صور نفس الأشخاص ..انهم ينهمكون في اندفاعهم ولا يدرون شيئا عن اختلاف الأحوال كل يوم حتي في نفس المشهد وفي نفس الساعة..كل منهم يبدو مختلفا كل يوم مع أنه نفس الشخص لكنه لا يعرف كيف بدا هذا اليوم .. مثلما يبدو قطار البلدة لراكبيه يتحرك في خط مستقيم مع أنه للناظر من الخارج يتلوي في انحناءات مستمرة .. لقد سرق الكاميرا ربما.. لكنه حقق بها حلم حياته ومشروعها الأعظم ..أخذها مقابل لحظات من السعادة لباها لامرأة كفيفة وحيدة عجوز.. رأي صاحبه صورة زوجته التي توفيت من سنوات..كانت جميلة كما لم يراها قبلا .. ظل ينظرلصديقه من خلال خطوط الدخان الصاعدة في تلو
..
راودتني قبل النوم فكرة .. ربما كونها لم تبصر شيئا منذ ولادتها أمر غيرسئ كما يبدو .. كيف سيكون الأمر لو أنها رأت كل هذه الدنيا ثم حرمت منها ؟؟ .. هل يجب أن أحزن لأجلها حقا ؟ .. من يحتاج الشفقة حقا ؟ .. فكرت في نفسي .. ماذا كان سيحدث لو لم أعرف أني ضعيف البصر .. ألم يكن من الأفضل لو لم أكتشف ؟
..
لم يمكنني مغالبة الحزن بداخلي حتي بعدما افترقنا.. حتي عندما حل الليل وأويت الي فراشي .. تذكرت قصة سمعتها في فيلم دخان .. عن صاحب محل السجائر الذي ضبط فتي يسرق بعض مجلات الإثارة من داخل محله فاندفع راكضا خلفه.. أفلت الفتي وترك محفظته التي سقطت في هرولته .. فتحها ليجد صورة لولد صغير مع أمه .. وجد عنوانه في بطاقة بالمحفظة .. فقرر الذهاب الي هذه المنطقة الشعبية البعيدة عن قلب المدينة الصاخب .. طرق الباب .. سمع صوتا أنثويا ينادي باسم الفتي .. كانت نبرته ودودة مشتاقة "انت جيت يا حبيبي" ..انفتح الباب واندفعت منه سيدة عجوزضمته الي صدرها دون أن يتدارك الأمر:"حمد الله علي سلامتك" .. أدرك الرجل أن العجوز مكفوفة البصر بينما أدركت من رائحته و جسه أنه ليس حفيدها غير أنها واصلت احتضانها و جذبته مرحبة الي داخل المنزل..لم يجد الرجل فرصة ليفكر..انخرط في التمثيلية ودخل معها .. جلس معها يتأمل البيت المتواضع .. طلبت منه أن يطلب لهما الدجاج الذي يحبانه ..قرر متابعة اللعبة.. طلب الدجاج .. وتناول الطعام مع العجوز السعيدة كأنه حفيدها الذي تعتاد منه ذلك بالفعل .. كانت بادية السرور وهي تسمعه وهي تأكل وتشرب معه .. نامت علي الأريكة بعد الوجبة و قام الرجل .. أخرج محفظة الفتي من جيبه وتركها علي المنضدة .. لفت انتباهه كاميرا التصوير الموضوعة هناك..تردد لحظات ثم حسم أمره والتقطها وخرج .. التقط الرجل بالكاميرا مئات الصور.. كلها من أمام متجره في الزاوية للزاوية المقابلة في التقاطع في السابعة صباحا .. مئات الصور لمئات الناس في أوضاع مختلفة .. أخبر الرجل صديقه عن مشروع حياته وهما يدخنان سويا ..قال صديقه أنه نفس المكان ونفس الوقت وأن ناسا كثيرين يتكررون لأنهم بالقطع من رواد المكان الدائمين .. قال الرجل أنه لا تكرار.. المكان هو لكن الصور مختلفة تماما.. حتي صور نفس الأشخاص ..انهم ينهمكون في اندفاعهم ولا يدرون شيئا عن اختلاف الأحوال كل يوم حتي في نفس المشهد وفي نفس الساعة..كل منهم يبدو مختلفا كل يوم مع أنه نفس الشخص لكنه لا يعرف كيف بدا هذا اليوم .. مثلما يبدو قطار البلدة لراكبيه يتحرك في خط مستقيم مع أنه للناظر من الخارج يتلوي في انحناءات مستمرة .. لقد سرق الكاميرا ربما.. لكنه حقق بها حلم حياته ومشروعها الأعظم ..أخذها مقابل لحظات من السعادة لباها لامرأة كفيفة وحيدة عجوز.. رأي صاحبه صورة زوجته التي توفيت من سنوات..كانت جميلة كما لم يراها قبلا .. ظل ينظرلصديقه من خلال خطوط الدخان الصاعدة في تلو
..
راودتني قبل النوم فكرة .. ربما كونها لم تبصر شيئا منذ ولادتها أمر غيرسئ كما يبدو .. كيف سيكون الأمر لو أنها رأت كل هذه الدنيا ثم حرمت منها ؟؟ .. هل يجب أن أحزن لأجلها حقا ؟ .. من يحتاج الشفقة حقا ؟ .. فكرت في نفسي .. ماذا كان سيحدث لو لم أعرف أني ضعيف البصر .. ألم يكن من الأفضل لو لم أكتشف ؟
Wednesday, March 21, 2012
في الطريق
مرة أخري القطار .. مرة أخري السفر .. ما الذي نعمله غير السفر ؟؟ .. الرحلة صعبة .. فليكن .. فلتكن كل الأشياء التي يجب أن تكن .. لتكن الأسئلة .. ما هي الرحلة ؟.. المسافات .. المحطات .. الوقت .. الناس الذين تعرفهم و يعرفونك ؟؟ .. قبل أيام قليلة جلست أمامي سيدة متواضعة الهندام و المظهر.. سألتني عن الشباب الجالس هناك يرتدون زي إحدي الكليات العسكرية .. قالت أن ابنها يريد أن يلتحق بالكلية الحربية .. إنه يدرس بالمرحلة الثانوية لا زال.. و"عنده" أمل .. بان أملها أيضا وجفناها يقتربان تحت ضغط حاجبيها المدققين في توسل : "بعد الثورة بقي المفروض ميكونش فيه واسطة ..ولا إيه ؟" .. استغربت جدا ؟؟ .. كنت سألتها عن سبب رغبته هذه فردت بجملتها هذه..لم أفهم العلاقة بين الجواب والسؤال .. استغربت لبساطتها.. تراجعت قليلا عن تفاؤلها المنبسط لتكسبه لهجة حذرة : "يعني .. مش زي الأول مش كده؟؟" .. طمأنتها.. تذكرت من أيام أني أحتفظ بشريحة موبايل في عمق أحد الأدراج .. ضاعت شريحتي الأصلية لفترة .. وتذكرت أثناء بحثي قصة هذه الشريحة المنسية .. اشتريتها منذ عام أو يزيد بأشهر قليلة .. دخلت الفتاة اللطيفة يومها السوبرماركت.. عرضت العرض .. شئ ما عن دقائق مجانية و نظام مميز لم أكترث اطلاقا لكلمة عنه أو أعي قولها .. كنت واثقا أني لست بحاجة لخط آخر .. مهما كانت المغريات ..فكنت أتحمل عرضها مبتسما في مجاملة وأنا أنتظر انتهائها لأعتذر بعبارة معتادة لا أتكلف جهدا تحضيرها .. فجأة تدخل صاحب السوبر ماركت " الرجل الكبير الشقي " .. كهل لطيف اللسان لا أعرف مزاحه من جده.. فوجئت به يوجهني للشراء .. يشاركها عرض السلعة .. قال: "أنا اشتريت و الله خطوط كتير من زمان .. لولا كده كنت اشتريت من الآنسة .. . والله لتشتري .. دا كويس جدا".. أخذ يلمح إلي المجهود الذي تقوم به الآنسة ..قال أن أي شخص هو الرابح من مثل هذا العرض.. نظرت للفتاة مرة أخري .. راجعت الحوار و النظرات و الهفوات و اللمحات .. تتحدث بالطريقة التي يتحدث بها أي مندوب لأي جهة يبيع أو يسوق شيئا ..لم تخل ملامحها من مرح .. وذكاء .. وانهاك !! .. أول ما دخلت .. لوحت للكهل مبتسمة في ترحيب و في شئ من كد :"سلام عليكم"..تذكرت أنه رحب كمن يعتاد هذا الحوارمشجعا بصوته الجهوري : "ايه الأخبار ؟؟" .. ردت :"يعني".. هي إذن تدخل هنا مرارا و الكهل خفيف الظل جهوري الصوت صادقها بلا تكلف ويساعدها .. نظرت لها وهي تحاول أن تبرر لي مجددا - بلا كلل - شراء الخط المميز وفي أعماقي ضحكة قاسية تتردد مثلما تتردد في مواجهة أمثالها : "تكلمي كما شئتي فلن أشتري شيئا تافها لا أريده بسبب " مسرحيتك " عالية الأداء.. كانت تلملم العلب وتبتسم للكهل مستعدة للرحيل قبل أن أهتف : "لو سمحتي أنا عاوز واحد" .. هذه فتاة شجاعة مناضلة.. بسيطة المظهروالهندام .. حاصلة علي مؤهل عال أو متوسط .. لم تتقدم بعد لمنتصف عقدها العمري الثالث .. تسحل قدميها سيرا تحت شمس يوينو المهولة تدور بين المحال والناس لتجد لقدمها الصغيرة موضعا في قلب الدنيا الساحقة ..أي أناني وضيع ذاك الذي لن يمد لها يدا لأنه يري أنه ليس بحاجة للشئ الذي تبيعه ؟؟ .. ما المقابل الذي تنتظره عندما تعطي حقا ؟؟ .. عندما انكسر " المج " الخاص برفيق الغرفة قلت له: "ما تشتريش .. اوعي".. سأل :" ليه؟..هاجيب غيره بكرة " قلت بقوة : " لا أنا اللي هاجيب " .. يوما كاملا درته أبحث عن مج مناسب .. كتبت اهداء علي العلبة .. أعطيته إياه .. لم أشر للإهداء .. رآه هو .. عانقني .." تعتقد فعلا اننا مش هنتقابل تاني ؟ " سألته .. لم أنتظر ردا بل تابعت " بالنسبة لي أيا كانت الظروف هالاقيك" .. لماذا لم أقل للسيدة أن لا تحزن؟.. ألا داعي للحزن .. لو لم يدخل ابنها كلية الحربية لن تكن نهاية العالم .. لكن بامكانه أن يعتقد هذا وهي أيضا !! .. أردت أن أسألها ألا تحزن وأن تخبره بأنها ليست النهاية كما يعتقد .. أردت أن أسألها عن ابنها و مميزاته و عيوبه ..أن أريها ربما أن ابنها كثير جدا من الأشياء .. لن يحرقها ألايدخل الكلية الحربية .. لكني لم أقل .. اكتفيت بالطمأنة .. و دار الحوار باردا بعدها .. نزلت في نفس محطتي ولم أراها مجددا .. يا للهول .. الشريحة لا تعمل .. سنة فاتت أو أكثر .. لم أتكلم بها مطلقا .. سحبوا الخط ؟؟ .. قال لي أخي : "أكيد سحبوه .. اتصل بخدمة العملا" .. لم أتصل .. لماذا أتصل .. تذكرت القصة .. لم أتذكر ملامح البنت لكن تذكرت " ما هي " .. ابتسمت ثم ضحكت .. كأني أهديت لها قيمة الخط لأني أعجبت بشجاعتها .. القيمة قيمة الشجاعة أما الخط فسحبوه .. ضحكت كثيرا .. و القطار ينطلق .. أعرف من بداية الرحلة .. ما الذي سيبقي .. و ما الذي سيطويه الطريق
تنويه
ليه بادون؟؟
لاني عاوز اتكلم ! .. و خلاص ! .. ساعات افتح الشباك لما اسمع صوت المطر .. اتفرج .. و خلاص .. التدوين بيخليك تتكلم في مكان مش معروف فيه .. مع ناس ميعرفوكش .. صحيح هم ممكن يسمعوك و تسمعهم .. و يمكن لأ برده .. لو فتحت الشباك تتفرج علي المطر مش بعيد يكون شباكك المفتوح وحيد .. و الشبابيك التانية مقفولة .. مقفولة جامد .. عادي
ليه مدونة جديدة ؟؟
للتجديد.. بطلت ادون من فترة بسبب ظروف خاصة .." اتجددت " شوية الفترة الأخيرة .. و كتابتي " هتتجدد " معايا.. دلوقتي عاوز ارجع تاني لان التدوين وحشني جدا .. لكن لاني لقيت ان بلوجر حصلت فيه تطورات كبيرة فانا قررت اعمل مدونة جديدة تواكب التطور الجديد
ليه ما طورتش المدونة القديمة و تابعت الكتابة فيها ؟؟
لانها تاريخ .. كتبت فيها بطريقة معينة .. عاوز أغيرها دلوقت.. لكني متمسك بالشكل القديم .. مش متنكر منه .. عاوزه يفضل كده بعيد وقريب .. أحن له .. زي ذكريات المدرسة القديمة .. زي اوراق بتحتفظ بيها ..جرايد ..كتب .. صور أوتذاكر.. لأني باحبها حتي علي ال " تيمبليت " القديم و مش عاوز اغيره .. و في نفس
الوقت عاوز اغير شكل المدونة واغير شكل كتابتي فكان التوفيق اني اسيب المدونة القديمة علي حالها و اعمل واحدة تانية بشكل جديد
ليه ثابت علي بلوجر ؟؟
لانه بسيط .. و كان البداية .. و باحس ان الناس اللي ثابتة فيه البسيطة برده .. و كانوا البداية برده .. و لأني بسيط
مين بقي انت ؟؟
واحد .. اتولد وعاش في مصر.. عشت و لا زلت في مدينة متوسطة الحجم - بالمقاييس المصرية - في شمال مصر .. اتولدت في 1986 ..
يجوز يكفي المدون يكون انسان .. اما المعلومات التلاتة الاخيرة فبتميز شوية .. يعني اللي اتولد في مصر فيه حاجة مش في اللي اتولد في ماليزيا اللي فيه حاجة مش في اللي اتولد في شيلي .. و بالنسبة للمصريين اللي عاش في مدينة فيه حاجة مش في اللي عاش في قرية و اللي عاش في القاهرة او اسكندرية فيه حاجة مش في اللي عاش في غيرهم .. و اللي اتولد في 1986 فيه حاجة مش في اللي اتولد في 1966 اللي فيه حاجة مش في اللي اتولد في 2006 .. يكفي كبداية لمدون : أن يكون انسانا موجودا في مكان ما .. و اما العمل و الدراسة و الانشطة و التفكيروالمزاج و الديانة و الحب و الأسرة و الجنون فهي توابع تتسرسب في كتابته عشان تحكيه .. بقدر ما بيسمح لها انها تتسرسب طبعا
.. كل اللي احب اسرسبه دلوقت
ان من اهم الرفاق في ايامي الشاي و الموسيقي و الهم و من اهم الأشياء في حياتي القاهرة و الناس و الصور و من أهم الاماكن في حياتي اسكندرية و سينما جالاكسي ومصر القديمة
ليه آخر قطرات المطر؟؟
لأن المطر بيخلص طبعا .. لانه بيضيع في الأرض .. و بيجف .. زينا
Subscribe to:
Posts (Atom)